حقيقة الإختلاط في ضوء القران والسنه

>
المملكة العربية السعودية
وزاره التعليم العالي
جامعه الإمام محمد بن سعود الاسلاميه
كليه الشريعة – ماجستير ثقافة إسلامية
المستوى الأول






بحث بعنوان :

حقيقة الاختلاط
في ضوء الكتاب والسنة


إعداد الطالبة :

غالية بنت سعد المحارب

إشراف الأستاذ :

د. ناصر التويم وفقه الله







بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة


الحمد لله مسبغ النعم ودافع النقم , منزل الرحمات ودافع الكربات , أحمده سبحانه حمدَ عبد مقر بنعمه , ومعترف بفضله , وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له , وأشهد أن محمد عبده ورسوله , أرسله لعباده بشيراً ونذيراً , وهادياً بإذنه وسراجاً منيراً ..

أما بعد

تعد مسألة (الاختلاط) من المسائل التي تأتي على رأس أولويات التيار التغريـبـي المنافق في بلاد المسلمين؛ لأنها تسهل له مهمته القائمة على سلخ المجتمع المسلم من دينه وأخلاقه، وجعله مجرد تابع ذليل للغرب يشكلونه كيفما شاؤا ويغرقونه من خلال هذا (الاختلاط) في الشهوات المحرمة التي تزيد من تبعيته وفساده وانصرافه عن عوالي الأمور.

ومن المؤسف أن تلك الدعوات المضللات قد حققت ما يردون في مجتمعات إسلامية كثيرة بعد معارك وصراعات مع أهل الإسلام، ومازالوا –أركسهم الله- يطمعون بالمزيد.
ولهم في سبيل تحقيق هذا الأمر شبهات يُلبس بها على عوام المسلمين؛ لكي يستسيغوا مثل هذا الأمر، ومن ذلك مثلاً:
1-قولهم: بأن الإسلام لم يمنع اختلاط الجنسين!! بل كانوا يختلطون في المساجد والأسواق ومجالس العلم وساحات الجهاد ومجالس التشاور في أمور المسلمين!!.
2-أو قولهم: بأن الإسلام يهدف إلى تطهير العلاقات بين الجنسين عبر التربية لا عن طريق سد الذرائع والحجز بين الجنسين أو حبس النساء في البيوت…الخ هذيانهم !
3- أو قولهم بأن الإسلام لم يحرم الاختلاط بين الجنسين وانما حرم الخلوة بين الاثنين .

هذا وقد كان سبب اختياري للموضوع : ماقرأناه وسمعناه وشاهدناه من اثارة , في الصحف والمجلات والقنوات , من اثارة للشبهات , وتحريف مراد الأدلة والأيات ,
مما قد يدخل الشك قلب من لابصيرة له ولا علم , فتختل الفطر السوية وتتزعزع الثوابت والقيم الأصيلة .

ولقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن هذه الظاهرة الخطيرة , في كثير من الجلسات والمجتمعات وحورات المنتديات , وماذلك إلا بسبب ماأثير من شبه ومقالات .

وأنا في بحثي هذا لست بصدد الرد على تلك الشبهات وتفنيدها , فإن ذلك قد يطول , كما انني لم أجعل هذا البحث مجاله , ولكني أجملت القول وفصلت الأمر بما جاء في كتاب الله ورسوله , مستنطة في ذلك الأدلة الواضحات التي ترد على كثير من تلك الشبهات ..




منهجي في البحث :

لقد عمت في بحثي هذذا إلى المنهج التحليلي : وذلك لتحليل بعض المسائل والتعمق في همها وإدراك خفاياها , وذلك لتوجيه المسائل وجهتها المطلوبه
كما قمت أيضاً بعزو الآيات إلى سورها , وتخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية .
كما قمت أيضاً بقراءة الكتب ونقل بعض ما ورد فيها كما ورد , أو تلخيص محتواه ومافهمته من الكاتب بصورة موجزه , ومن ثم قمت بتوثيق النقول والفهومات من مراجعها الأصلية , فما نقلته نصاً من كلام كاتبه وضعته بين علامتي تنصيص ووثقته بذكر اسم الكتاب واسم مؤلفه ورقم الجزء إن وجد ورقم الصفحة , وما صغته بفهمي لم أضعه في شيء , ووضعت رقما بجانبه ومثله في الحاشية ووثقت ذلك بكر مرجعه .

الصعوبات التي واجهتني :

لم تواجهني كثير من الصعوبات في هذا البحث , غير ضيق الوقت وضغط الواجات الأخرى اللذان لم يسمحا لي بالإطلاع على كثير من المراجع مما حدى بي إلى الإعتماد في كثير منها على الكتب الإلكترونية .

خطة البحث :

لقد قسمت بحثي هذا إلى :

مقدمة وتشمل : أسباب اختيار الموضوع .
منهج البحث
الصعوبات التي واجهتني
خطة البحث
الشر والتقدير
ثم قسمت بعدها بحثي إلى ثلاثة مطالب :

المطلب الأول : مفهوم الاختلاط لغة واصطلاحا
المطلب الثاني : الأدلة على تحريم الاختلاط من الكتاب والسنة ووجه الدلالة منها .
المطلب الثالث : ضوابط الاختلاط في الكتاب والسنه .

ثم بينت بعد ذلك أهم النتائج والتوصيات التي توصلت لها .

وختمتها بخاتمة موجزة

يليها فهرساً للأيات والأحاديث.

وأخيراً فهرساً بموضوعات البحث

الشكر والتقديـــــــــر:

أتوجه أولاً وأخراً بالشكر والحمد والفضل لله سبحانه وحده الذي يسر لي وأعانني علىاتمام هذا البحث .

ثم الشكر كل الشكر لوالدتي الفاضلة التي خففت عني الجهد , ووفرت لي الوقت , وأعانتني بدعواتها وكلماتها فالله أسأل أن يوفيها كل الجراء وأن يوفقني لرد العطاء

كما أشكر صديقاتي وزميلتي على ماأعانوني بع حسيا ومعنويا وتوجيهيا , فالله أسأل أن لايحرم كل ذي منفعة أجره في الدنيا والآخرة .

كما أخص بالشكر الجزيل الوافر لأستاذي الفاضل المشرف على هذا البحث :
د. ناصر التويم

بما يسره لنا من اعداد هذا البحث وماوجهه لنا من نصائح وتوجيهات
وقد أخرت ذكره , لأن ذكر الخاص بعد العام يفيد ميزة عند الأصوليين .

فله مني كل الشر والتقدير




الباحثة :

غالية بنت سعد بن عبدالعزيز المحارب


















المطلب الأول :

تعريف مفهوم الاختلاط

معنى الاختلاط في اللغة :

أجرى الفقهاء لفظ الاختلاط على مسائل شتى، والموضوع المقصود بالبحث اختلاط الرجال والنساء، أما معناه من حيث وضع اللغة فالاختلاط لفظ له استعمالات عديدة تدور على أصل واحد:
ومنه ( خلط الشيء بالشيء يَخلطه خَلطاً وخلّطه فاختلط : مزجه واختلطا . وخالط الشيء مُخاَلَطَة وخِلاطا : مازجه ... وخلط القوم خلطا وخالطهم : داخلهم . )
ويقال (خلطت الشيء بغيره خلطا فاختلط )

المعنى الاصطلاحي:

أما المعنى الاصطلاحي، فقد أوردت عدة تعريفات للعلماء المعاصرين, كلها تدور
في فلك واحد، محوره يرتكز على المعنى اللغوي.

قال العلامة ابن باز رحمه الله في تعريف الاختلاط: "هو اجتماع الرجال بالنساء الأجنبيات، في مكان واحد، بحكم العمل، أو البيع، أو الشراء، أو النزهة، أو السفر، أو نحو ذلك" .

وقال الشيخ عبدالله بن جار الله رحمه الله: "الاختلاط هو: الاجتماع بين الرجل والمرأة التي ليست بمحرم، أو اجتماع الرجال بالنساء غير المحارم، في مكان واحد يمكنهم فيه الاتصال فيما بينهم، بالنظر أو الإشارة أو الكلام، فخلوة الرجل بالمرأة الأجنبية على أي حال من الأحوال تعتبر اختلاطاً" .

ومما سبق فاختلاط الرجال والنساء هو امتزاجهم، أو انضمام بعضهم لبعض، أو تداخلهم، سواء كان ذلك بملاصقة أو بغير ملاصقة.

فدخول الأجنبي على النساء اختلاط بهن، ودخول الأجنبية على الرجال اختلاط بهم، ودخول بعضهم على بعضهم اختلاط، وأما دخول أحدهما على الآخر في رقعة ليس فيها سواهما ممن يعقل، أو كان فيها ولكن قام فاصل معتبر حال بينه وبينهم فتلك خلوة، وهي صورة خاصة من الاختلاط.

والأصل في بحثي هذا أن لفظ الاختلاط الذي أطلقه هو ماتقرر هنا من معناه الاصطلاحي , لا ماتقرر من معناه اللغوي ، فإن الاختلاط بهذا الاعتبار قد وجدت بعض صوره في بلاد المسلمين قديماً قبل غزو التغريب غير أنه محفوف بالحشمة، منضبط بالشرع، ملتزم بقيود تخرجه عن حد الذم، وما كان كذلك لا يعرف من العلماء من يطلق عليه لفظ الاختلاط المطلق، كاختلاط الرجل بأهل بيته ومحارمه، وإنما الذم للاختلاط المطلق غير المنضبط بالضوابط الشرعية، وهو المتبادر إذا أطلق لفظ الاختلاط اليوم .

موقف الشرع من الاختلاط:

اتفقت الأمة بل سائر الملل على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل . وهذه الضروريات إذا فقدت، لم تجر مصالح الدنيا على استقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة، وفي الآخرة فوت النجاة..
وفاحشة الزنا -كما ذكر أهل العلم- انتهت من القبح إلى الغاية، فهي من أعظم الفواحش، ومن أشدها خطراً على ضروريات الدين؛ ولهذا صار تحريم الزنا مجمعاً عليه من قبل العامة والخاصة، فهو معلوم من الدين بالضرورة، ونصوص تحريمه ظاهرة مشهورة.

قال الله عز وجل: ولا تَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ، والنهي عن قربان الزنا أبلغ من النهي عن مجرد فعله؛ قال العلامة ابن سعدي: لأن ذلك يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه؛ فإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه .

وللأستاذ سيد قطب كلمة لطيفة يقول فيها: "ولأن هذه الفواحش ذات إغراء وجاذبية، كان التعبير: ولا تقربوا. . للنهي عن مجرد الاقتراب، سداً للذرائع، واتقاء للجاذبية التي تضعف معها الإرادة. . لذلك حرمت النظرة الثانية -بعد الأولى غير المتعمدة- ولذلك كان الاختلاط ضرورة تتاح بقدر الضرورة. ولذلك كان التبرج -حتى بالتعطر في الطريق- حراماً، وكانت الحركات المثيرة، والضحكات المثيرة، والإشارات المثيرة، ممنوعة في الحياة الإسلامية النظيفة.. فهذا الدين لا يريد أن يعرض الناس للفتنة ثم يكلف أعصابهم عنتا في المقاومة! فهو دين وقاية قبل أن يقيم الحدود، ويوقع العقوبات. وهو دين حماية للضمائر والمشاعر والحواس والجوارح. وربك أعلم بمن خلق، وهو اللطيف الخبير . ." .












المطلب الثاني :

الأدلة من الكتاب والسنة على تحريم الاختلاط :

من الكتاب :

الدليل الأول : قوله تعالى ( وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتْ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ )

وجه الدلاله : أنه لما حصل اختلاط بين امرأة عزيز مصر وبين يوسف عليه السلام ظهر منها ماكان كامنا فطلبت منه أن يوفقها , ولكن أدركه الله برحمته فعصمه منها , وذلك في قوله : (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
وكذلك اذا حصل اختلاط بالنساء اختار كل من النوعين من يهواه من النوع الآخر , وبذل بعد ذلك الوسائل للحصول عليه .

الدليل الثاني : أمر الله الرجال بغض البصر , و أمر النساء بذلك , فقال تعالى : ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ *وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُن )

وجه الدلاله: أنه أمر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر , وأمره يقتضي الوجوب , ثمُّ بين تعالى أن هذا أزكى وأطهر, ولم يَعفُ الشارع إلا من نظر الفجأة , فقد روى الحاكم في المستدرك عن علي رضي الله عنه أن النبي  قال : ( ياعلي , لاتتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة )
وماأمر الله بغض البصر إلا لأن النظر إلى من يحرم النظر إليهن زنا , فقد رُوي عن النبي  أنه قال : ( العينان تزنيان وزناهما النظر , والأذنان تزنيان وزناهما الاستمتاع , واللسان وناه الكلام , واليد زناها البطش , والرجل زناها الخطا ) , وإنما كان زنا لأنه تمتع بالنظر إلى محاسن المرأة ومؤدٍ إلى دخولها في قلب ناظرها , فتعلق في قلبه , فيسعى إلى إيقاع الفاحشة بها , فإذا نهى الشارع عن النظر إليهن لما يؤدي إليه من المفسدة وهو حاصل في الإختلاط , فكذلك الإختلاط ينهى عنه , لأنه وسيلة لما لاتحمد عقباه من التمتع بالنظر والسعي إلى ماهو أسوأمنه


الأدلة من السنة على تحريم الإختلاط :

الدليل الأول : مارُوي عن النبي  أنه قال : ( خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَيْرُ صُفُوفِ النِّسَاءِ آخِرُهَا وَشَرُّهَا أَوَّلُهَا )


وجه الدلالة: ( أن الرسول  شرع للنساء إذا أتين المسجد أن ينفصلن عن الرجال على حده , ثم وصف أول صفوفهن بالشر , والمؤخر منهن بالخير , وما ذلك إلا لبعد المتأخرات عن الرجال ورؤيتهن وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم , ووصف آخر صفوف اللرجال بالشر إذا كان معهم نساء في المسجد , لفوات التقدم والقرب من الإمام وقربه من الفنساء اللاتي يشغلن البال وربما أفسدت به العباده وشوشن النية والخشوع , فإذا كلن الشارع توقع حدوث ذلك في مواطن العباده مع أنه لم يحصل اختلاط , فحصول ذلك إذا وقع الاختلاط من باب أولى , فيمنع الاختلاط من باب أولى .)

الدليل الثاني : مارُوي عن النبي  أنه قال:( ماتركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء )

وجه الدلالة : أنه وصفهن بأنهن فتنه , فكبف يجمع بين الفاتن والمفتون ؟ هذا لايجوز

الدليل الثالث: مارواه حمزة بن أبي أسيد الأنصاري , عن أبيه – رضي الله عنه – أنه سمع النبي  يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق فقال النبي  للنساء : ( استأخرن فإنه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات من لصوقها ) ."يحققن الطريق " هو أن يركبن حقها , وهو وسطها .

وجه الدلاله :( أن رسول الله  إذا منع الاختلاط في الطريق لأنه يؤدي إلى الافتتان , فكيف يقال بجواز الاختلاط في غير ذلك ) .

الدليل الرابع : مارواه ابن عمر – رضي الله عنهما – أن رسول الله  لما بنى المسجد جعل بابا للنساء وقال : ( لايلج من هذا الباب من الرجال أحد)

وجه الدلاله :(أن الرسول  منع اختلاط الرجال والنساء في أبواب المساجد دخولاً وخروجاً , ومنع أصل اشتراكهما في أبواب المسجد سدًّا لذريعة الاختلاط , فإذا منع الاختلاط في هذه الحال , ففي غير ذلك من باب أولى .)

- من أقوال العلماء في التحذير من الاختلاط :
قال ابن القيم - رحمه الله - : ( ولا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال أصل كل بلية وشر ، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة ، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة ، واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنا ، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة ).

فمن تأمل ماذكرت من الأدلة تبن له مقصد الشريعة الإسلامية من ضرورة عزل النساء عن الرجال ماأمكن , لما في ذلك من اثارة للغرائز التي أودعها الله في الإنسان , ومايقضي إليه الإختلاط من مفاسد وسوء عاقبة وخاتمة .

وهذا لايعني اقصاء النساء وسجنهن داخل بيوتهن , بل للمرأة أن تخرج وتقضي حاجتها وتتعلم أمور دينها ودنياها , والمرأه في عصر النبوة كانت تشهد الجمعة والجماعات , وتشارك المسلمين في الأعياد وتنزل للأسواق , وهذا بلا شك يحتم اختلاطها بالرجال لكن هذا الاختلاط لم يكن على صورته المشاهدة في عصرنا اليوم .

بل كانت تضبطه ضوابط , شرعها لها دينها , وبينها لها رسولها  , التزمت بها المرأه المسلمة وسدت كل الذرائع المؤدية إلى الأمور التي لاتحمد عقباها , تلك الضوبط صانت ذلك المجتمع من الفساد , وحفظت للمرأه حقوقها وحريتها , فارتقى ذلك المجتمع علماً وفكرا وأخلاقاً , لعلي أورد تلك الضوابط في المبحث القادم .





















المطلب الثالث :

ضوابط الإختلاط بين الجنسيين :

أولاً : الأصل في المرأه بقائها في منزالها لقوله تعالى ( وقرن في بيوتكن )لكن ان وجدت حاجه أوضروره لهذا الخروج فلا بأس لكن وفق ضوابط حددها لها الشرع :

1. الالتزام بغض البصر من الفريقين، فلا ينظر إلى عورة، ولا ينظر بشهوة، ولا يطيل النظر في غير حاجة، قال تعالى: }قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ {

2- الالتزام من جانب المرأة باللباس الشرعي المحتشم، الذي يغطي البدن ، ولا يشف ولا يصف، قال تعالى: }وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْأِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{ وقال تعالى في تعليل الأمر بالاحتشام: }يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا { أي أن هذا الزي يميز المرأة الحرة العفيفة الجادة من المرأة اللعوب المستهترة فلا يتعرض أحد للعفيفة بأذى، لأن زيها وأدبها يفرض على كل من يراها احترامها.

3- الالتزام بأدب المسلمة في كل شيء وخصوصا في التعامل مع الرجال:
• أ – في الكلام، بحيث يكون بعيدًا عن الإغراء والإثارة، وقد قال تعالى: } يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا{
• ب- في المشي، كما قال تعالى: }وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ{ ،وأن تكون كالتي وصفها الله بقوله: }َجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء{
• ج- في الحركة، فلا تتكسر ولا تتمايل، كأولئك اللائي وصفهن الحديث الشريف بـ"المميلات المائلات" ولا يصدر عنها ما يجعلها من صنف المتبرجات تبرج الجاهلية الأولى أو الأخيرة.

4- أن تتجنب كل ما شأنه أن يثير ويغري من الروائح العطرية، وألوان الزينة التي ينبغي أن تكون للبيت لا للطريق ولا للقاء مع الرجال.

5- الحذر من أن يختلي الرجل بامرأة وليس معهما محرم، فقد نهت الأحاديث الصحيحة عن ذلك، وقالت: "لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ" إذ لا يجوز أن يخلي بين النار والحطب.
وخصوصًا إذا كانت الخلوة مع أحد أقارب الزوج، وفيه جاء الحديث: "إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ: "الْحَمْوُ الْمَوْتُ" ، أي: هو سبب الهلاك؛ لأنه قد يجلس ويطيل الجلوس، وفي هذا خطر شديد. و
أن يكون ذلك في حدود ما تفرضه الحاجة، دون إسراف أو توسع يخرج المرأة عن فطرتها الأنثوية، أو يعرضها للقيل والقال أو يعطلها عن واجبها المقدس في رعاية البيت وتربية الأجيال، والله الهادي إلى سواء السبيل.























أهم النتائج والتوصيات ..


وفي ختام بحثي هذا فهذا موجز لما توصلت إليه من نتائج , وماأوصي به غيري من من توصيات

أبرز ملخص نتائج هذا البحث :
1. دلت نصوص الكتاب والسنة على النهي عن الاختلاط .
2. حرص على الإسلام على التفريق بين الذكور والإناث .
3. رسم الإسلام خطوط مانعة من الشر والفتنة وأمر باجتناب الاختلاط .
4. الاختلاط الموجود في عصر النبي  ومن بعده لم يكن بالصورة المعروفة اليوم وإنما كان منضبط بالضوابط الشرعية .
5. ماينعق به المظللون من شبه وضلالات كلها حجج واهية تبطلها الأدلة الواضحة .


أما ماأوصي به من مقترحات:
1. العمل على تطبيق النصوص الواردة بالنهي عن الاختلاط , وذلك بفصل المرأة عن الرجل في كل المجالات , سواء في العمل , أو المدارس , أو المستشفيات , أو غير ذلك من القطاعات .
2. العمل على إصلاح وسائل الإعلام المشاهدة والمسموعة والمقروءة ومنع ماتبثه من دعاوي باطلة وشبه مضلله .
3. الرد على شبهات أهل الباطل والتصدي لأهلها من خلال جميع وسائل الإعلام .
4. نشر الإحصائيات والخسائر المادية والنفسية والأخلاقية التي آلت إليها الدول والمجتمعات المختلطة , وماجناه ذلك الاختلاط من آثار .



















الخاتمة

وفي الختام هذا جهد مقل موجز , فإن كنت قد وفقت للصواب , فذلك توفيقاً من ربي فله الحمد وله الشكر , وإن لم يكن فما حيلتي , فتلك شيمة الإنسان, والكمال لله وحده توفيقاً ورحمة

وماكان فيه من خطأ أو تقصير فمن نفسي وفهمي , وأسأله ربي العفو عني

إن تجد عيبا فسد الخللا جل من لاعيب فيه وعلا


والله تعالى أعلم وأحكم

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .


















فهرس المصادر والمراجع

أولا : فهرس الكتب :ـ

1. القرآن الكريم .
2. الصحاح في اللغة والعلوم , إعداد وتصنيف : نديم مرعشلي , أسامة مرعشلي . دار الحضارة العربية , بيروت , المجلد الأول .
3. الرسائل والفتاوى النسائية , لفضيلة الشيخ /عبدالعزيز بن باز –رحمه الله- الطبعة الثانية ,1419هـ دار الوطن .
4. المستدرك عل الصحيحين , لمحمد بن عبدالله النيسابوري ,الطبعة الأولى ,1411هـ-1990م , تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا ,دار الكتب العلمية , بيروت .
5. الموافقات , لإبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي , دراسة وتحقيق : أبوعبيدة مشهور بن حسن آل سلمان , دار ابن عفان , الطبعة الأولى 1417هـ - 1997م .
6. العبودية مسائل وقواعد ومباحث , لفضيلة الشيخ : عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف .
7. تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن , لفضيلة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي
8. حكم الاختلاط , لسماحة الشيخ : محمد بن إبراهيم آل الشيخ –تليها فتاوى مهمة للنساء ,دار ابن الأثير .
9. صحيح مسلم , للإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري , تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي , دار إحياء التراث العربي , بيروت .
10. صحيح الامام البخاري , لمحمد بن إسماعيل البخاري الجعفي ,تحقيق مصطفى ديب البغا , الطبعة الثالثة , 1407هـ-1987م , دار ابن الأثير , اليمامة , بيروت .
11. في ضلال القران , لسيد قطب , دار الشروق .
12. لسان العرب , لابن منظور , طبعة مصححة اعتننى بتصحيحها : أميم محمد عبدالوهاب , محمد الصادق العبيدي , الجزء الرابع , دار إحياء التراث العربي , مؤسسة التاريخ العربي .
13. مصابيح التنوير على صحيح الجامع الصغير , للألباني , اعداد وترتيب أبو أحمد معتز أحمد عبد الفتاح .
تانياً : المجلات والدوريات :
1. مجلة الأسرة العدد رقم 70
ثالثاً : المواقع الإلكترونية :
1. موقع اللجنة الإسلامية للمرأة والطفل , فتاوى الأسرة .


فهرس الآياتات و الأحاديث

الآيات القرآنية :

1. وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ .........................................................( 7 )
2. َاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ........................................................ ( 7 )
3. قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ......................... ......................... (7)
4. وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ .............................................. (10)
5. وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ ................................................(10)
6. وجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء.................................................(10)


الأحاديث النبوية :

1. (( ياعلي , لاتتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى........................................( 7 )
2. (العينان تزنيان وزناهما النظر , والأذنان تزنيان........................................( 7 )
3. ( خَيْرُ صُفُوفِ الرِّجَالِ أَوَّلُهَا وَشَرُّهَا آخِرُهَا وَخَير........................................(7 )
4. (ماتركت بعدي فتنة هي أضر على الرجال من النساء.................................( 8 )
5. ( لايلج من هذا الباب من الرجال أحد ......................................................( 8)
6. ( لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ............................................( 11)
7. ( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ"، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَ .............................. ( 11 )














فهرس المواضيع

• المقدمة ................................................................................ ( 2 )
• معنى الاختلاط لغةً ................................................................. ( 5 )
• معنى الاختلاط اصطلاحاً ........................................................ ( 5 )
• موقف الشرع من الإختلاط ...................................................... ( 6 )
• الأدلة من الكتاب على تحريم الإختلاط ........................................ ( 7 )
• الأدلة من السنة على تحريم الإختلاط ......................................... ( 7 )
• ضوابط الاختلاط بين الجنسين ................................................ ( 10 )
• أهم النتائج والتوصيات ......................................................... (12 )
• الخاتمة ............................................................................ ( 13 )
• فهرس المصادر والمراجع ..................................................... ( 14 )
• فهرس الآيات والأحاديث ...................................................... ( 15 )
• فهرس المواضيع ................................................................. (16)


أسس الجهد الثقافي

المملكة العربية السعودية وزاره التعليم العالي جامعه الإمام محمد بن سعود الاسلاميه كليه الشريعة – ماجستير ثقافة إسلامية أسس الجهــــــــــــد الثقــــــافي الجزء الثاني (( المثقف والمجتمع )) ورقة عمل من إعداد الطالبات: ((زينب الخضيري – عبير القشعمي – غالية المحارب- لطيفة الصرامي – مشاعل المانع- هاجر السديس)) أستاذ المادة : د . ناصر التويـــم المقدمة.. الحمد لله ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. أما بعد: بعد أن تناول أخواتي تعريف الجهد الثقافي،وأهدافه،وقنواته،سنتناول بإذن الله أسس الجهد الثقافي ، فإلى صلب الموضوع: أسس الجهد الثقافي. الأسس لغة: الأس والأسس والأساس، كل مبدأ شيء، والأس والأساس أصل البناء، والأسس مقصور منه، وجمع الأسس:أساس، مثل سبب، وأسباب، وهي أصل كل شيء. يقال أسست داراً: إذا بنيت حدودها، ورفعت من قواعدها. إذاً يمكننا تعريف أسس الجهد الثقافي،بناء على تعريف أخواتي في السابق بأنه: : هو (أصل) العمل الذي يقوم به المثقف الإسلامي في واقع حياة مجتمعه أو أمته وعياً بقضاياها ومشكلاتها وإسهاماً في رسم مسالك إصلاحها وحل تلك المشكلات وإسهاماً فكرياً وحركياً بالتربية من خلال المعايشة الاجتماعية المباشرة وإجراء الدراسات الميدانية على مجتمعه . 2)(أصل ) للحركة التي يقوم بها المثقف الإسلامي خدمة لدينه وأمته من خلال ما يتيسر له من قنوات سواء كانت وسائل إعلام أو تدريس أو تأليف كتب، أو خطب. وسنتناول أولى هذه الأسس ،وهي على النحو التالي: التوحــــــــيد. أولاً: هو جوهر الإسلام الذي يمثل حقيقته, وهو العدل الكامل الذي تصبح حياة الناس بدونه ظلماً, وهنا سوف نشير إلى بعض المسائل التي توضح كيف يمكن ان يتجلى التوحيد لدى المثقف المسلم في عمله الثقافي سوف نذكر خمس تجليات للتوحيد في الجهد الثقافي الإسلامي, كما أوردها د.عبد الرحمن الزنيدي في كتابه( المثقف العربي بين العصرانيه والإسلامية ) أ/ التعامل مع الأشياء في هذا الوجود : تعرفاً عليها ودراسة لها بعلم راسخ بمصدرها الذي خلقها سبحانه , وحدد طبيعتها وغايتها , والله سبحانه حيث يتحدث عن الأشياء ويعرف الإنسان بها ,كما في قوله تعالى (خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون * خلق الإنسان من نطفه فإذا هو خصيم مبين * والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون )النحل:3-5 حيث يتكرر تحديد المصدرية في كل آية: خلق السماوات-خلق الإنسان والأنعام خلقها ولا ريب أن تحديد مصدر الشيء يجعل متلقي هذه الثقافة واعياً ما يتلقاه , وهذا بخلاف الفكر التائه الذي يجهل أصل الأشياء التي يتعامل معها , أو يردها إلى أصل خاطئ فينعكس هذا الخطأ على تعامله الفكري تعرفاً عليه وحكماً. ب/ وحدانية الذات الإنسانية في توجهها لله قصدا وطلبا وتحريرا من التعبد بغيره : فتكون ثقافة المسلم , ومن ثم فاعليته الثقافية متسمة بالإيمان اليقيني, فلا تنازعها الجواذب والمعبودات الأخرى فتظل في حيره واضطراب ولقد ضرب الله مثلا للموحد مقابلا للمشرك المتوزع بين آله متعددة لتأكيد الفرق الشاسع بينهما في الحياة , قال تعالى : ( ضرب الله مثلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون )الزمر:29 وبالإمكان الإشارة هنا إلى مسألتين : 1/ وحدة الحقيقة في رؤية المسلم القائمة على التوحيد , فالله سبحانه هو الحق وهو مصدر الحقائق كلها , وهذا ما يجعل المثقف المسلم في فعاليته الثقافية أن يتعامل مع الموضوعات في الفكر وعالم الطبيعة والحياة الإنسانية بثقة وثبات ويقين , بأن ما تقرر من حقائق مطلقة أيا كان مصدرها الوحي أو الفطر الإنسانية أو الواقع الكوني والبشري لا يمكن أن يرد ما يناقضها خلافا لمن يختل لديهم هذا اليقين الإيماني والتوحيدي فينهزمون أمام كل جديد في الأفكار والمكتشفات. 2/الأسباب : المثقف المسلم تقوم ثقافته الإسلامية على الإيمان بأن الله وحده هو الخالق المدبر وبأن مشيئته هي الغالبة , وبأنه لا يحدث شيء في هذا الوجود إلا بعلمه , كما أنه لا ينكر الأسباب ويتبرأ منها ويعد الآخذ بها مشركا , كما وقع في ذلك الصوفية والمتكلمين, ولا ينقطع إليها فيتضخم لديه تأثيرها فيتعلق بها في جلب النفع ودفع الضر, غافلا عن مسببها سبحانه , كشأن الماديين. -إن المثقف المسلم يدعوا إلى الأخذ بالأسباب ويستثمر أبرز ما وصلت إليه الخبرة الإنسانية في تحسين الأوضاع وعلاج المشكلات في جميع المجالات , ولكنه يربط الناس بخالقهم وخالق هذه الأسباب . ج/ ربط الناس بالله: من خلال إحياء القيم المنبثقة من صفات الله ليتفاعل معها الناس في حياتهم الواقعية, إن المعهود تاريخياً أن الموقع العقدي للأسماء والصفات هو التنزيه أن يكون لله فيها شريك أو مثيل أو شبيه, أو أن تعطل عنه بعد أن أثبتها لنفسه, وفي الجنب التعبدي مناجاة الله بهذه الأسماء والصفات ودعاؤه بها. وكل هذا حق لكن تفاعل المسلم مع أسماء الله وصفاته يتجاوز ذلك نحو الجانب التطبيقي العملي , بحيث تصبح قيما سلوكية . وصفات الله لها نوعان من حيث التجاوب العملي للمسلم إزائها: • صفات ينبغي أن يتحلى الإنسان منها بما يستطيع بحسب طاقته البشرية , وكلما كان الإنسان أكثر تمثلاً كان أقرب لله , ومنها صفات العدل – الكرم – الطيب – الحمال – الصدق – الوفاء ونحوها • صفات تقتضي قيماً مقابله حيث يحمد الإنسان على تمثله لمقتضياتها المقابلة, مثل القيومية التي تقتضي اللجوء إلى الله والاعتماد عليه . إذ أنها يستحيل تمثل الإنسان لها , أو لا يجوز للمسلم أن ينتحلها بين يدي الله كالكبرياء , والجبروت التي تقتضي الذل لله والخضوع والدعاء. د/ النظرة التفاؤلية في فاعلية الثقافة : ذلك أن المسلم بحكم إيمانه بالله وبحكمته , وإحاطة علمه وعدله , يغمر التفاؤل والبشر عناصر ثقافته , فهو يوقن أن وراء الأحداث حكما وأنه ليس فيها ظلم أغدر تعالى الله عن ذلك , حتى وإن نقص علمه عن إدراك تلك الحكم . كما أن ارتباطه بخالقه وشعوره بمعيته يغمره بالأمن النفسي والفكري والرجاء والأمل مهما أحلو لكت الحياة. وعليه فينبغي للمثقف المسلم وهو يؤدي دوره الثقافي أن يبث في روح الأمة التفاؤل وأن يبعث البشارات الإيجابية في حياة الأمة وأن يبرز الجوانب الإيجابية في حياة الأمة لا من أحل التخدير والهروب من الواقع المتردي للأمة وإنما التزامنا بمنهج الإسلام الذي يقرر أن حال المسلم كلها خير له لأنه ( إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له ) ولأن سبب التفاؤل بالنصر موجود ميسر للأمة وهو اعتصامها بحبل الله وإيمانها الحقيقي به سبحانه . هـ / الكرامة الإنسانية : لا تتحقق كرامة الإنسان بصورتها السامية إلا من خلال تجريد توحيده لله تعالى , وأبرز مظاهر الكرامة الحرية من الاستعباد للأهواء والشهوات والضغوط الإغرائية وإلقاء الشيطان . حيث يخضع الإنسان في فكره ومن ثم في عناصر ثقافته لهذه المعبودات إذا فقد توحيده لله أو ضعف لديه , أما الموحد لربه المخلص في تعبده له , فإنه يصان بهذا التوحيد عن تلك المغويات , ويتسامى عليها ومن ثم يكون أداءه الثقافي التوحيدي عامل تحرير لعقول الناس وقلوبهم وسائر حياتهم من العبودية لغير الله وبالتالي تحقيق إنسانيتها الحقيقة . ثـــانيا:هيمنة الوحي على التفكير: لئن كان التوحيد هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله , فإن شهادة أن لا إله إلا الله أن محمدا رسول الله تقتضي بأن يخضع لا مسلم عقلاً ونفسا وأعضاء لما جاء به  في القران الكريم , وفي سنته الشريفة خضوعا قائما على يقين راسخ أنه الحق الواجب الإتباع المحقق للمصلحة , وأن ما خالفهما باطل جالب للضر والمفسدة . ولقد كان هذا الإيمان في حياة المسلمين على الرغم من ضعف أثره في حياة كثير منهم عامل صد ومقاومة للوافدات الفكرية الفاسدة التي سعى كثير من أعداء الأمة كفارا ومنافقين لبتها فيها كي تفسد دينها ,والآن مما يضغط به كثير من العصرانيين على ذوي الثقافة الإسلامية من أجل الحوار , والتبادل الثقافي , وتجسيد العلاقات الفكرية ما يطلق عليه: العقلانية التي يقدم في ضوئها كل طرف آراءه ومعتقداته وأفكاره بصفتها أفكارا قابلة للنقد والمناقشة والرفض , مقتنعا بأن حقها من الصواب والصحة مساو لحقوق آراء الأطراف الأخرى . لكن المثقف المسلم لا يمكن أن يتنازل لهذا الضغط فيساوي ما جاء به القرآن والسنة من قضايا إيمانية أو أحكام شرعية منزهة عن الخطأ والنقص , بالآراء البشرية الناقصة المحدودة , لأن هذا التنازل ليس مجرد خرم في إسلامية ثقافية , بل خلل في إيمانه بالله وبوحيه . لكن ذلك لا يعني أن يعزف المثقف المسلم عن مداخلة الواقع بمبادئ الإسلام وأحكامه , كلا , بل إنه يداخل ويحاور بمعطيات دينه الآخرين ولا يتنازل عنها , ولكن يتنازل تنازلا افتراضيا لينطلق مع الآخر من نقطة التقاء( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) سبأ:24 ولقد ذم الله فريقين من الناس : • فريق أعرضوا عن القرآن, وصاروا يتلقون الفكر من موائد أخرى, ويعالجون الواقع بالظنون البشرية التي تفتقد نور الوحي ويقين الحق (( إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى )) النجم:23 • فريق اختلفوا في الوحي فآمنوا يبعضه، وكفروا يبعضه الآخر , أو لم يكفروا ولكنهم أغفلوا ما يتعارض مع أهواءهم . وهكذا نتيجة الانتكاس في التعامل مع الوحي بتقديم الفكر عليه , لا تقديمه على الفكر انتكست حال الناس , وهذا هو البغي البشري الذي ذكره الله (( وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ءامنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم )) البقرة:213 وعليه فإن من أولويات جهد المثقف المسلم ترسيخ هذا المنطلق في حركته الثقافية وفي وعي الناس , بأن يكون الوحي " القران والسنة " هو مصدر العلم الأول الذي تؤخذ منه الحقائق بتسليم مباشر ويقين متكامل , دون شك أو تساؤل . كما ينبغي له أن يقر في خلده أنه كلما عظمت صلته بالقران وبسنة رسوله والاستظهار بها في الحركة الثقافية ازداد فكره قوة ووعيه إشراقا , وتوفر لديه من إمكانات الإبداع والتجديد مالا يمكن لغيره , والتاريخ يشهد بذلك , فالاجتهاد والتجديد وبعث الأمة بعد خمولها , إنما قم به علماء الأمة الدائرون في فلك الوحيين دون غيرهم . ثــالثـاً: الفقـــه. الفقه في اللغة: هو العلم، قال ابن فارس:"فقه يدل على إدراك الشيء والعلم به..وكل علم بشيء فهو فقه". ثم خص به علم الشريعة ، والعالم به فقيه. ومنذ نزول القرآن الكريم ارتبطت مدلولات هذه اللفظة "الفقه" بما جاءت به آياته، وأيضاً سنة الرسول صلى الله عليه وسلم فالفقه في الإسلام جهد بشري مطلوب من المسلمين. يتجلى في ثلاثة أنواع: الأول: فقه النصوص الشرعية وهو التأمل والتدبر في آيات الكتاب العزيز، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.وهذا النوع من الفقه الشامل هو الغاية التي أنزل الله القرآن من أجلها:{كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} ص:29 الثاني:فقه الكون والحياة :الفقه بالكون جماده ،ونباته،وحيوانه، والفقه بالوجود البشري في تركيبه ونوازعه،ووجوده الاجتماعي ،ويقول سبحانه في شأن فقه الوجود البشري ؛في أصله وتكاثره: {وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر ومستودع قد فصلنا الآيات لقوم يعقلون-الأنعام:98{ الثالث: هو ثمرة الفقهين السابقين ،وهو قدرة الإنسان على تكييف حياته، ومستطاعه من الحياة حوله وفق منهج الله ،عبودية له،وابتغاء للآخرة، ورعاية للأسباب في الحركة دون إفراط أو تفريط. هذا النوع من الفقه على مستوى الأداء الحضاري لمن استوعبوا الفقهين السابقين يتجلى في جهود علمية مسددة حكيمة سواء أكانت في حل المشكلات، أم في البناء والنهضة، والأعمال الإيجابية، ومنه الاجتهاد الذي يصل إليه الفقيه في مسألة واقعة،مرتكزاً في اجتهاده على مقاصد الشريعة وقواعدها، وعلى دراية بالواقع في ظواهره وأسبابه ونتائجه.كما يتجلى في الإبداع الشرعي؛ إبداع نظريات اجتماعية، وسياسية، واقتصادية..الخ. تكون محققة للغايات، متسقة مع القواعد الشرعية. إلا أن الفقه في الدين في أي مجالاته ــ لا فقط في الجوانب العملية ــ ليس مجرد نظر فكري في النصوص الشرعية من أي إنسان؛ وانطلاقاً من أي خلفية؛ كلا؛إن لهذا الفقه قواعد وأسسا لا يتم فهم المراد الإلهي الذي جاءت به نصوص الكتب والسنة إلا من خلالها؛بلورها علماء الشريعة في أصول،وازدهرت بصفتها منهجاً علمياً يسدد العقل المسلم في قراءته التعريفة على نصوص الشريعة والمتأمل في الواقع اليوم يجد أن القضية ليست في اعتماد الوحي الإلهي أو عدم اعتماده؛ وإنما هي في:كيف نتعامل مع الوحي الإلهي ؟كيف نصوغ حياتنا وفق قيمه، وقواعده، وأحكامه؟ منهج التفقه في الدين يتحقق الفقه في الدين في نوعين من الأطر المتواكبة،أو المتتابعة التي يكون بها هذا الفقه ،بصفتها مفاتيح أو مؤشرات دلالة على وجود منهجية للفقه في الشريعة ،لا يحقق عالم أو مفكر علماً بالشريعة دون الأخذ بها، لا على أنها المنهجية الكافية لامتلاك الفقه في الدين المؤهل لبناء المواقف وتحديد الأحكام. الإطار الأول:التثبت من صحة نسبة النص إلى الشارع: القرآن الكريم مقطوع بثبوته،ولهذا يؤكد العلماء في هذا الشأن على أن التثبت من صحة نسبة النص الشرعي مختص بالسنة، لكن المطلع على كتابات بعض المثقفين المعاصرين يجد أنه من ضعف حفظهم للقرآن،وعدم تثبتهم ،قد يوردون حديثاً نبوياً ،أو حتى مثلاً من الأمثال بصفة آية كريمة ؛ وعليه فإن التثبت الآن ينبغي أن يكون للأمرين معاً للآيات ،وللأحاديث. الثاني: التثبت من صحة دلالة النص على الحكم الشرعي: القرآن والسنة ــ مصدر المثقف المسلم في التشكيل الثقافي الذي يمارسه ــ نصوص جاءت باللغة العربية ،بحيث تفهم من خلال لسانها في أرقى صورها البيانية وقد تضمنت هذه النصوص الكريمة معاني معينة لا تقف عند حد المعنى التجريدي لها في اللغة العربية،وسميت هذه المعاني بــ :الحقائق الشرعية،هذه المعاني رتب عليها الشارع أحكاماً وجزاءات عقدية ،وعبادية،وخلقية وتعاملية. وتلقى السلف رضوان الله عليهم هذه المعاني وصارت تحكم فكرهم وحياتهم، وفي عصر الامتزاج الثقافي دخلت إلى البيئة الإسلامية أفكار جديدة انتزعها الآخذون بها في البيئة الإسلامية من سياقاتها الدينية والفلسفية التي ولدت في أحضانها، ليقيموها في المجال الفكري الإسلامي،وبالذات في ميدان الاعتقاد، مما أحدث مشاقة عظيمة للشرع وأهله. فالإيمان الذي تكون به النجاة يوم القيامة بصفته اعتقاداً قلبياً،وإقراراً لسانياً،وتطبيقاً عملياً ،أصبح مجرد اعتراف بوجود الله ،مقابل الإلحاد الذي يعني إنكار وجوده سبحانه. والبدعة التي تعني الإحداث في الدين زيادةً أو نقصاً، أو تغييراً، أصبحت لدى كثير من المثقفين تعني التنكر لكل جديد والوقوف عند مرحلة تاريخية ماضية في كل شيء، وهكذا مفاهيم التجديد، والاجتهاد، وغيرها.. وهناك ألفاظ مستحدثة وضعت لتحمل معاني مغايرة للمعنى الحقيقي لها حتى يكون ذلك مسوغاً لترويجها أو التنفير منها. مثلاً: الربا= الفائدة، فصل الدين عن الحياة=العلمانية، هذا للترويج. وكذلك الولاء والبراء =التعصب ،ردع السفه الفكري والخلقي=كبت الحرية..الخ. وقد كان منهج السلف في هذا المقام كما حدثنا ابن تيمية ما يلي: /يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع ،والعقل،ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية.1 2/أن السلف إنما ذموا المصطلحات الوافدة لاشتمالها على معانٍ باطلة ٍ مخالفةٍ للكتاب والسنة. 3/أن الحكم الشرعي لا يكون على المصطلحات المحدثة ،وإنما على مصطلح الشرع،والأقوال إذا حكيت عن قائلها،أو نسبت الطوائف إلى متبوعها فإنما ذلك على سبيل التعريف والبيان. /المسلم بين القرآن والفكر البشري يقوم بثلاث مهمات :4 الأولى:معرفة القرآن والسنة. الثانية: معرفة معاني الألفاظ التي يتعامل بها أهل الفكر في عصره. الثالثة: التطبيق بين معاني القرآن، والسنة،والمعاني التي تعرف عليها في هذا الفكر ليحكم عليها من خلال معاني الكتاب والسنة،و تطبيقها لقول الله سبحانه:{وما اختلفتم في شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب)الشورى:10 رابعاً: الشمولية: الشمولية خاصية منهجية للثقافة الإسلامية، حيث تتجلى بكل عناصرها في وحدة متماسكة سواء على مستوى التصور أو على مستوى التطبيق، لذا ينبغي على المثقف المسلم في هذا المجال ما يلي: -الانطلاق من وعي صحيح بشمولية الشريعة، ويتحقق ذلك بالعلم بمقاصد الشريعة في الكليات الخمس. -الوعي بميادين الشريعة في حياة الناس وأسلوبها في كل ميدان من هذه الميادين، وبيان ذلك كما يلي: -أن العقائد التي يفرض علينا الدين أن نؤمن بها، ما هي إلا حقائق ثابتة في نفسها لها وجود واقعي، وهي تفترق في هذا عن المبادئ والأحكام التي هي من قبيل الإنشاء والتي تتغير بتغير المكان والزمان. فالإلوهية وصفاتها والرسالة والوحي والكتب السماوية والبعث والحساب والجنة والنار كلها حقائق ثابتة ليس للدين دور يقوم به إلا الكشف عنها، والاستدلال عليها، والإقناع بها، ومن هنا قالوا: إن العقائد لا تقبل النسخ، ولا تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا يسوغ أن تكون محل اجتهاد. -أن العبادات تختلف عن العقائد في أنها إنشاءات أنشأها الله ورسم حدودها وهيأها على صورة خاصة، فهي ليست حقائق واقعية وإنما هي صور ركبها الشارع وأنشأها بعد أن لم تكن، وهذا محض حقه باعتباره هو الإله المعبود. فالأصل في العبادات والقرب أنها ممنوعة حتى يرد من الشارع ما يدل على طلبها، وبهذا الأصل أبطلت البدع في الدين، فكانت القاعدة (لا يعبد الله إلا بما شرع). وأما موقف الشرع في ميدان المعاملات، فإنه يختلف اختلافاً جوهرياً عن موقفه في ميدان العقائد والعبادات، إذ إن موقف الشرع منها هو موقف الإقرار أو التعديل أو الإلغاء وهو ما يسمى بـ"أسلوب الناقد المهذب". فالقاعدة في المعاملات (المعاملات طلق حتى يرد المنع). ومما يحقق للمثقف خاصية الشمولية في أدائه الثقافي أن يأخذ الشريعة في عناصرها الجامعة ـ موضوعاتها وأدلتها ـ وأن لا يتعامل مع عنصر أو أكثر متجاهلاً أو غافلاً عن البواقي. المحاذرة من الوقوع في ردة الفعل للمواقف المتطرفة التي تتخذها بعض الفرق والاتجاهات أو الأفراد في بعض القضايا لأن ردة الفعل تؤدي في الغالب إلى فعل معاكس متطرف أيضاً. فالموقف السليم للمثقف المسلم هو أن ينطلق مما قرره الشرع بشأنها في موقعها من البناء الكلي للمنهاج الإسلامي وبهذا المنهج تتحدد قيمة هذا الموقف بجانبها السلبي والإيجابي في ميزان الإسلام. خامساً: ثبات المعيارية والإطلاق: الوصفية اتصف العلم لدى الغرب المعاصر ـ نتيجة لانفصاله عن الوحي الإلهي ـ بخاصيتين: الأولى: (الوضعية)، وقد قام هذا المنهج مضاداً للعلم اللاهوتي الكنسي، ولما تخلص العلم الكوني من هذه السلطة وانحصرت منهجيته في التجربة والملاحظة والاستقراء، وحقق ذلك تقدماً في المعرفة المادية، مدّ الوضعيون هذه المنهجية إلى الدراسات الإنسانية (الاجتماع- الأخلاق- الدين- النظم...إلخ). فهي تدرس هذه القضايا بصفتها واقعاً يتم تحليله للتعرف على حقيقته. الثانية: النسبية في القيم فليس هناك ثبات ولا إطلاق لشيء ما، بل هو نسبي زماناً ومكاناً. أما العلم في الإسلام فهو على العكس من ذلك يقوم على "المعيارية والإطلاق" لارتكازه في نظرته للأشياء على الوحي الإلهي. *وتتمثل المعيارية لدى المسلم: بأن يتعامل مع الأشياء أياً كان مجالها بنظرة تقويمية، فأي فكرة لا تكون مشروعة بمجرد إشاعة المجتمع لها وإنما تصبح مشروعة إذا كان الشرع قد أمر بها أو ندب إليها أو على الأقل أباحها. * أما الإطلاق فيتمثل في: أن المسلم يؤمن يقيناً أن ما جاء به الوحي يحمل صفات الثبات والإطلاق في كل مكان ولكل زمان. فالمسلم ينطلق من الوحي الإلهي، ليحكم بحقائقه هذا الواقع بتغيراته، بخلاف بعض المسالك البشرية في الوقت الراهن والتي تنطلق من الواقع لتقرر من خلاله الحقائق. وينبغي أن نعي أن أولوية الوحي على الواقع لا تعني عدم اعتباره، فإن للواقع ولسننه وأعرافه وتقاليده موقعها في المنهجية الإسلامية. سادساً: وعي الواقع(فقه الواقع). هذا المصطلح من المصطلحات التي استعملت في الأوساط الدعوية والشرعية، ولا يعرف أول من استعمله ولكنه شاع حديثاً على ألسنة المفكرين والدعاة،وإنما كان عند السلف قاعدة: إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره فلا يجوز له أن يفتي أو يحكم في المسألة بدون تصورها،وذكر ابن القيم في الفتيا:(ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:أحدهما:فهم الواقع والفقه فيه،واستنباط.....) تعريف فقه الواقع: فهم أحوال الناس، والوقائع المعاصرة والأحداث الجارية، سواء كانت عامة أم خاصة، بمعرفة حقيقتها وأسبابها وآثارها ووسائل حماية المجتمع من أضرارها. والواقع قسمان: واقع له أثر في الأحكام الشرعية وواقع لا أثر له في الأحكام الشرعية-. فليس كل ما يقع بين الناس، وما يجعله الله في أرضه، ليس كل ذلك مؤثرا في الأحكام الشرعية، أو تبنى عليه الأحكام. الشرعية. خصائص الواقع : - قابلية الخطأ وعدم العصمة:فالواقع ليس معصوماً إذ يمكن أن يقع فيه ما يخالف الشرائع والعقول ، لأنه من أفعال الناس وهم معرضون للخطأ والنسيان والإكراه. -التنوع والتعـدد: من خصائص الواقع أنه متنوع الأشكال ومتعدد الصور، فالواقع في بلد يختلف عنه في بلد آخر، والواقع في زمان يختلف عنه في زمان آخر. -التغيّر والتحول: من خصائص الواقع أنه متغيّر الأطوار، متحوّل الأوصاف وليس هناك شيء ثابت غالباً،فقد يكون الناس في واقع حرب ثم يتحولون إلى واقع أمن سلم،ومن جهل إلى العلم كما قال تعالى : ( وتلك الأيام نداولها بين الناس ) آل عمران:-وهذا ما ينطبق على واقع الأفراد أيضا ، فقد يعيش الشخص واقعا سيئا ثم يتحول مع الأيام إلى واقع حسن . ومعرفة هذه الخصائص للواقع تدلنا على أن الواقع في حدّ ذاته ليس بحجة، ولا يصلح الاستدلال به في إثبات الحكم أو نفيه ، ولكنه قد يؤثر في الحكم أحياناً، كما أن البدء في أية عملية للتنمية والنهوض والارتقاء لا بد أن تأخذ في اعتبارها هذا الواقع وأن لا تتجاهله. أساس هذا العلم : يتصور بعض طلاب العلم أن فقه الواقع علم جديد، وثقافة حديثة، لا بل أساسه في القرآن، والسنة، وسلف الأمة. ففي القرآن: قوله تعالى:(وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ)الأنعام:-ومن فقه الواقع استبانه سبيل المجرمين، ومعرفة أهدافهم ومخططاتهم،لهذا جاءت كثير من الآيات مفصلة ومبينة سبيل أعداء الله، وفاضحة لمآربهم وغاياتهم ،ومن ذلك التدرج في أخذ الناس بأحكام التشريع مثل التدرج في تحريم الخمر وفي فرض الصوم. أما السنة:- علم الرسول صلى الله عليه وسلم بأحوال الأمم والملوك:فنحن نراه عليه السلام يوجه المستضعفين من صحابته بالهجرة إلى الحبشة دون غيرها من البلاد لقوله:" إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد" ومن ذلك علمه بطبائع الشعوب كقوله:" أتاكم أهل اليمن أرق أفئدة وألين قلوباً الفقه يمان والحكمة يمانية" .وأنه لم يقبل على إعادة بناء الكعبة لأنهم حديثو عهد بالجاهلية. علمه بطبائع الأفراد وأخلاقهم:ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:" أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأقرؤهم بكتاب الله أبي بن كعب،...." ومنها تعدد إجابات الرسول صلى الله عليه وسلم لكل سائل بحسب حاجته مثلاً: عندما سئل: أي الأعمال أفضل ؟ نجد أجوبة متعددة، وحين يقال له: أوصني، كذلك مثل أيضا الصحابي الذي وقع على امرأته في نهار رمضان إلى أن قال:( على أفقر منا ؟ فما بين لا بتيها أحوج إليه منا، فضحك النبي ، ثم قال: أطعمه أهلك ) . ومن السلف: في حسن تعاملهم مع واقعهم، كأبو بكر في جمع المصحف، وعمر في جلد شارب الخمر ثمانين لما تهاون الناس في العقوبة،وكالإمام أحمد بن حنبل في فتنة القول بخلق القرآن، وشيخ الإسلام بن تيمية في موقفه من التتار. العناصر الأساس لفقه الواقع : - إدراك التأثيرات البيئية الطبيعية، باعتبارها محددًا أساسيًا وموجهاً رئيسًا لحياة الناس. - فقه الحركة الاجتماعية، على اختلاف أنواعها، باعتبارها الروابط التي تربط بين الناس. -فهم النفس البشرية، باعتبار الإنسان المحور والأساس في هذا الوجود. مقومات فقه الواقع: بمقدار اكتمال هذه المقومات تتكامل شخصية المنتمي إليه: أولا: القناعة بأهميته:لا يمكن أن يتخصص فيه من يرى أن فقه الواقع مجرد مزيد من الثقافة. ثانيا: التأصيل الشرعي. ثالثا: سعة الاطلاع وتجدده. رابعا: القدرة على الربط والمقارنة والتحليل، فهناك عناصر أساسية للوصول إلى حقائق الواقع وتوقع المستقبل، وهي: 1- جمع الأخبار والمعلومات. 2- المقارنة والربط بين الأحداث والوقائع. 3- تحليل المعلومات والوصول إلى نتائجها. خامسا: التفاعل الإيجابي مع الواقع ،بأن يعيش فيه ويكون متأثرا ومؤثرا. سادسا: حسن اختيار المصادر.فلا شك أن مصادره الأساسية الكتاب والسنة وسير السلف،كذلك دراسة التاريخ وفقه السنن الإلهية ففقه الحاضر مستمد من فقه الماضي وتوقع المستقبل مبني على السنن الجارية،ولا ننسى العلم بمقاصد الشريعة. الآثار الإيجابية لفقه الواقع: 1)إحكام الفتوى وإتقانها. 2) الدعوة إلى الله بحكمة وعلى بصيرة . 3) الوصول إلى النتائج السليمة واتخاذ المواقف الصحيحة . 4) التربية الشاملة المتكاملة،روحية، وعلمية، وسياسية، وجهادية، وعقدية، واقتصادية. 5) بعد النظر وحسن التخطيط. 6) إبطال كيد الأعداء، وفضح خططهم 7) الشعور بالمسئولية والتغلب على المعوقات. 7) فتح لباب الاجتهاد. 9)سبيل للارتقاء بهذا الواقع،وإنقاذه مما هو فيه. سابعاً: التزام المنهج الصحيح في التعامل مع التراث. التراث لغة: مشتقة من مادة (ورث) وقلبت فيه الواو تاء،وقد جاء ذكرها في القرآن الكريم في قوله تعالى:( وتأكلون التراث أكلاً لماً) والتراث في الآية معناه: ما يخلفه الرجل بعد موته لوارثه. فالتراث: ما تركه السابق للاحق، وصار من الحي إلى الميت. فالتراث بهذا المعنى الموسع لها دلالته الواسعة التي تشمل كل ما تركه لنا السابقون من علوم و حضارات و فنون و غيره،لكن كلمة التراث أصبحت تستخدم إلى الموروث الفكري الذي تراكم بفعل جهود الأجيال السابقة عبر قرون الحضارة الإسلامية التي هي واحده من أصول الحضارة عمراً في التاريخ الإنساني، حيث تواصلت هذه الحضارة بلا انقطاع خلال قرون طويلة من الزمان. فالتراث الإسلامي هو:(نتاج العقلي البشري المسلم عبر القرون) و نجد أن أ.د عبد الرحمن الزنيدي يعرف التراث الإسلامي في دلالته الحاضرة،في الثقافة الراهنة بأن التراث :هو ما خلفه السابقون من أهل الإسلام لنا عبر القرون الأربعة عشر الماضية في الجوانب الثقافية، والمدنية. لكن ماهي قصة تسميته تراث؟ لم يكن السابقون يطلقون على موروث سابقيهم تراث فقد كانوا ينظرون إلى هذا الموروث باعتباره ممتداً فيهم ،فاللغة واحده، و المفاهيم واحده، و التصورات واحده لم تتغير، فهم ينظرون إليه باعتبار ليس غريباً عليهم، لكن بعد ذلك عندما حل الاستعمار الأجنبي بالبلاد العربية الإسلامية و جاءت الحملة الفرنسية على مصر و على غيرها احتلوا العالم الإسلامي، فكانت هناك عملية انقطاع عن موروث علمائنا السابقين ،فصارت الأجيال الحالية بفعل عمليات التغريب التي بثها المستعمر الأجنبي صارت تنظر إلى الآثار الباقية عن الأجيال السابقة باعتبار أنها سابقة، مستقلاً عنها و غريباً عليها، و كأنه يخص أمة أخرى غير هذه الأمة الإسلامية . إذاً:التراث بمفهومة المعاصر و دلالته المشهور يقصد به ما كتبه الأوائل والأواخر من العرب و المسلمين مع اختلاف في تحديد الأواخر هل هم القدماء على الإطلاق، أو هم السابقون على مجيء الحملة الفرنسية على مصر، أو هم أهل القرن الماضي ،بعضهم يحدد سنة سابقة حتى يعتبر الشيء اثراً أو تراثاً، و بعضهم يرى أن الأواخر كل من سبقونا تراثاً حتى ولو كان بعضهم توفي قبل سنوات قليلة أما بداية التراث : بدأ مع تدون العلوم عند المسلمين الأوائل في أواخر القرن (2)الهجري و أمتد إلى نهاية القرن (19هـ). كيف وصل إلينا التراث؟ لاشك أن حفظ التراث حتى وصل إلينا كان بفعل الحرص على التدوين و الكتابة ،فقد ظلت الكتابة بزمن طويل من عمل اليد ،أي ظلت باليد حتى وقت قريب عندما ظهرت الطابعة و الوسائل الحديثة المعاصرة، و لذلك فإن أغلب نصوص التراث القديم عبارة عن مخطوطات كتبت بخط اليد ،سواء كان كاتبها هو المؤلف نفسه أو أحد تلاميذه أو ناسخ محترف عاصر المؤلف ،أو عاش بعده ،فلما أنشئت مطبعة (بولاق) في مصر 1821م – اجتهد المصريون في طبع أمهات الكتب و كتب التراث الإسلامي ومع ذلك استمرت عملية المخطوطات بالطريقة التقليدية قبل و بعد مطبعه بولاق. -لكن نجد أن الناس اليوم في نظرتهم للتراث على فريقين: أحدهما: يتمسك بهذا التراث أفكاراً، وتطبيقات، حتى وصل إلى درجة الغلو في حجبه عن الوحي، بل إنه لا ينظر للوحي، ولا يتمثل إسلامه إلا من خلال التراث، دون مراعاة لمدى تطابقه مع الوحي أم لا ،بحيث يتحول التراث كالاجتهادات،والتطبيقات الزمنية من قبل المسلمين إلى مصدر أساس،وإن كان الأساس أولوية الوحي. أما الفريق الآخر: ينكر التراث،ويسقط من قيمته، ويرون أنه مرتبط بالزمن من جهة،وبالفعل البشري الذي أنتجه من جهة أخرى ،فهو كاف في تجاوزه جملة،وتفصيلاً،والتعويل على المباشر على القرآن،والسنة كأنهما وجدا الآن. -فكلا الفريقين في الجانب العملي: لا يأخذ بالتراث كله، ولا يتركه كله،وإنما يأخذ بما يقدر مناسبته له. - والذي يقضي به المنطق السليم كما يراه الدكتور:عبد الرحمن الزنيدي: الفصل بين الوحي والتراث،خاصة في مجال الدراسات الشرعية. فالوحــــــــي: - منزه عن الخطأ. - حاكم على الزمان والمكان. أما التـــــــراث: -إنتاج بشري(اجتهادات فردية -فكرية –فتاوى -تطبيقات عملية )مرتبطة بالظروف، والفهوم،والطاقات. _التراث خاضع للنقد في ضوء الكتاب والسنة،وقابل للتجاوز،لكن لا يعني إلغاء القيمة العلمية والحضارية لذلك التراث،لأن فيه ما هو مستمد من الوحي،ولأنه قد تمحص عبر التراكم العلمي، والنقد المتبادل،فضلاً عن أنه شيئاً واحداً،حيث أنه من الخطأ النظر إليه والحكم عليه حكماً كلياً. يقول عبد المجيد النجار"الاجتهادات السابقة في التراث فإن تلك الاجتهادات فيما اعتمدته من منهج، وفيما توصلت إليه من نتيجة،تعتبر من الناحية الموضوعية أساساً ضرورياً لمعاودة النظر المستجد من أجل الفهم، كما يعتبر إلغاؤه بصفة مبدئية،واستبعادها كأداة من أدوات الاجتهاد المتجدد إخلالاً بشرط أساسي من شروط البحث عن الحقيقة" -لكن قد يرد تساؤل حول الفهم السلفي، أين موقعه من الوحي، والتراث؟ الفهم السلفي جزء من التراث،لكن لهم خصوصية تميزهم عن غيرهم: 1-انهم تلقوه من الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة دون وسيط 2- تربوا على يديه. 3- وكانوا أهل لغة القرآن الذي جاء تبياناً للحق الذي يمثلونه. 4-أن الرسول صلى الله عليه وسلم زكاهم, وأمر بالإقتداء بهم. ثامناً: الاصطلاح : بداية ، لابد من تحديد معنى "المصطلح"، وهو مصدر ميمي للفعل اصطلح، وقد يكون اسم مفعول لذات الفعل، على تقدير متعلق محذوف، أي "مصطلح عليه"، وقد كان لقدامى العلماء جهودٌ طيبة في مجال فهم المصطلح، وتحديد معناه، وقد رأوا أنه لابد من اتفاق مجموعة من المتخصصين عليه، ولابد كذلك من استعماله في مجال علميّ مُعَيَّن، أو فن بعينه، حتى يكون واضح المعنى، محدد الدلالة، مؤدياً الغرض المراد . ومن خلال تتبع هذا اللفظ في كتب التراث، نلمس أنه يغلب على العلماء عدم التفريق بين كلمتي "مصطلح" و"اصطلاح" فقد استخدم المصطلحان وكأنَّهما مترادفان تماما.ً إن الاصطلاح هو اتفاق طائفة مخصوصة على أمر مخصوص، ومثل هذا جاء في المعجم الوسيط:" اصطلحوا على الأمر تعارفوا عليه، واتفقوا" . وإن اللغة العربية تحتوي على طاقة كامنة من الألفاظ تنتج عن تقليب الألفاظ على الطريقة التي رآها الخليل بن أحمد وتابعه فيها ابن جني وأسماها “الاشتقاق الكبير". وواضح جداً أننا نعاني اليوم من فوضى اصطلاحية واضطراب في تحديد الأشياء، فمثلاً: الإيمان الذي تكون به النجاة يوم القيامة أصبح مجرد اعتراف بوجود الله ، مقابل الإلحاد والذي يعني إنكار وجود الخالق، وكذلك البدعة والتي هي في أصلها :الإحداث في الدين زيادة أو نقصا أو تغييراً ، أصبحت مقاومتها عند بعض مثقفي اليوم : تنكّر لكل جديد. وهناك ألفاظ استحدثت فيها تغير للمعنى الحقيقي الأول ، حتى يكون ذلك مسوغاً لترويجها أو التنفير منها ، مثل : الربا / الفائدة. الخمر/المشروبات الروحية. الولاء والبراء / التعصب..الخ. لذا فالمصطلح خطير ودقيق ، ويجب التعامل معه بوعي كبير . وطبيعي أن تنشأ فوضى في هذا ، بسبب اختلاف المدارس التي يؤخذ منها دون النظر إلى منهجية كل مدرسة من المدارس التي يُتعامل معها ، فهناك مدارس يغلب عليها الطابع النفسي، وأخرى يغلب عليها الطابع الاجتماعي، وثالثة تلح على الجانب المعنوي الوظيفي، كل هذا ينعكس سلباً على توحيد المصطلح، لأن دلالة كل مصطلح تختلف باختلاف المدرسة التي ينتسب إليها أو الشخص الذي قدمه ، لذا تنشأ فوضى في مجال المصطلح لتعدد المصادر . وقد كان للسلف منهج واضح وراقي في هذا المقام ، كما يقول بن تيمية: "طريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع ، والعقل ، ويراعون أيضاً الألفاظ الشرعية ، فيعبرون بها ماوجدوا إلى ذلك سبيلا".ً كما ذموا-السلف- المصطلحات الوافدة لاشتمالها على معانٍ باطلة ومخالفة للكتاب والسنة ، فلا ريب إذن في أن على المثقف مراعاة استحضار النصوص المناسبة، بمعنى أنه إذا أراد أن يعالج قضية من القضايا فإنه بدايةً : يأخذ الآيات والأحاديث المتعلقة بموضوعه ثم يتأمل فيها لتشكل له اللبنة الأساس في موضوعه، فقبل أن يتفاعل مع القضية واقعياً يتأمل النصوص ليتعامل مع الواقع وفق فهمه للنصوص. وكذلك عليه التثبت من دلالة النص أي (من صحة المعنى):و القرآن ميسر للذكر حيث يفهمه من يتكلم العربية وكذا نصوص السنة ولكن ليس معنى هذا أن المثقف يقف عند حدود فهمه البديهي للنص، لأنه سيبني عليه مواقف بعد ذلك.. فالمفترض أن يتجاوز فهمه المباشر ويتجاوز دائرته الضيقة من خلال قراءة كتب التفاسير وشروح الأحاديث ومن خلال استرشاده بالمختصين في هذا المجال، وأيضاً عن طريق معرفته بالعلوم الشرعية التي بنيت لخدمة هذه النصوص.. فينبغي للمثقف الإسلامي أن يكون عنده قدر كاف من العلوم الشرعية مثل علم القرآن وعلم الفقه وعلوم السنة وعلم التفسير التي تسهل له فهم نصوص الوحيين ودلالاتها.. فيأخذ كليات هذه العلوم حتى تكون حركة تعاطيه معها حركة مستبصرة. ويجب ألا يغيب عنه الوعي بخطورة استخدام القدرات البلاغية اللغوية في لبس الحق بالباطل وألا يروج بها ما ليس حقا ً في أصله، قال تعالى: ( وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ) البقرة:42. وقال صلى الله عليه وسلم: ( إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار) والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. المصادر والمراجع: إعلام الموقعين،ابن القيم الجوزية1 2شرح مسائل الجاهلية،د صالح آل الشيخ. الشبكة العنكبوتية.  جريدة الرياض، فقه الواقع مطلوب في وقتنا الحاضر لكثرة الوقائع والنوازل،النجيمي. ضوابط الفتيا في النوازل المعاصرة،د مسفر القحطاني. فقه الواقع،د ناصر العمر. فقه الواقع،الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني. فقه الواقع أصول وضوابط،د أحمد بوعود. المكتبة الشاملة. .مقال المصطلح ومشكلات ،د/إبراهيم كايد محمود-مجلة التراث العربي-دمشق-آذار .1425هـ مقال فقه الواقع لمصطفى كرامه مخدوم. المعجم الوسيط،لمصطفى إبراهيم-مادة صلح. لسان العرب،لابن منظور-دار صادر،بيروت،الطبعةالأولى،الجزء السادس،الصفحة السادسة.

الجمعة، 8 يناير 2010

بسم الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق